ابن أبي أصيبعة

190

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

عن كلامه وأحضر أبو إسحق أخوه يوحنا بن ماسويه فثلبه ميخائيل طبيبه ووقع فيه وطعن عليه فلما ضعفت قوة المأمون عن أخذ الأدوية أذكروه بجبرائيل فأمر بإحضاره ولما حضر غير تدبيره كله فاستقل بعد يوم وبعد ثلاثة أيام صلح فسر به المأمون سرورا عظيما ولما كان بعد أيام يسيرة صلح صلاحا تاما وأذن له جبرائيل في الأكل والشرب ففعل ذلك وقال له أبو عيسى أخوه وهو جالس معه على الشرب مثل هذا الرجل الذي لم يكن مثله ولا يكون سبيله أن يكرم فأمر له المأمون بألف ألف درهم وبألف كر حنطة ورد عليه سائر ما قبض منه من الأملاك والضياع وصار إذا خاطبه كناه بأبي عيسى جبرائيل وأكرمه زيادة على ما كان أبوه يكرمه وانتهى به الأمر في الجلالة إلى أن كان كل من تقلد عملا لا يخرج إلى عمله إلا بعد أن يلقى جبرائيل ويكرمه وكان عند المأمون مثل أبيه ونقص محل ميخائيل الطبيب صهر جبرائيل وانحط قال يوسف بن إبراهيم دخلت على جبرائيل داره التي بالميدان في يوم من تموز وبين يديه المائدة وعليها فراخ طيور مسرولة كبار وقد عملت كردناجا بفلفل وهو يأكل منها وطالبني بأن آكل معه فقلت له كيف آكل منها في مثل هذا الوقت من السنة وسني سن الشباب فقال لي ما الحمية عندك فقلت تجنب الأغذية الرديئة فقال لي غلطت ليس ما ذكرت حمية ثم قال لا أعرف أحدا عظم قدره ولا صغر يصل إلى الإمساك عن غذاء من الأغذية كل دهره إلا أن يكون يبغضه ولا تتوق نفسه إليه لأن الإنسان قد يمسك عن أكل الشيء برهة من دهره ثم يضطره إلى أكله عدم أدم سواه لعلة من العلل أو مساعدة لعليل يكون عنده أو صديق يحلف عليه أو شهوة تتجدد له فمتى أكله وقد أمسك عن أكله منه المدة الطويلة لم تقبله طبيعته ونفرت منه وأحدث ذلك في بدن آكله مرضا كثيرا وربما أتى على نفسه والأصلح للأبدان تمرينها على أكل الأغذية الرديئة حتى تألفها وأن يأكل منها في كل يوم شيئا واحدا ولا يجمع أكل شيئين رديئين في يوم واحد وإذا أكل من بعض هذه الأشياء في يوم لم يعاود أكله في غد ذلك اليوم فإن الأبدان إذا مرنت على أكل هذه الأشياء ثم اضطر الإنسان إلى الإكثار من أكل بعضها لم تنفر الطبيعة منه فقد رأينا الأدوية المسهلة إذا أدمنها مدمن وألفها بدنه قل فعلها ولم تسهل وهؤلاء أهل الأندلس إذا أراد أحدهم إسهال طبيعته أخذ من السقمونيا وزن ثلاثة دراهم حتى تلين طبيعته مقدار ما يلينها نصف درهم في بلدنا وإذا كانت